لماذا يحكمنا مستبدون ؟
في القرن الماضي.. استعمر الغرب العالم العربي تقريبا من المحيط إلى الخليج عدا أرض الحجاز.. وبعد التحرير ادعى الغرب دعم الحكام العرب بسياسات ظاهرها مساعدة للنمو و باطنها يعمل من أجل الإبقاء على مصالحه الاقتصادية والإستراتيجية في هذه الدول.. وكان أن ساهم في خلق مجتمعات أمية فقيرة، في عصر كان التعليم فيه يزدهر في الدول الغربية. إنها مجرد شذرات تاريخية عشوائية.. لكنها تحكي حقيقة مؤلمة واحدة.. "هناك ثلاثمئة كتاب فقط تمت ترجمتها السنة 2006 إلى اللغة العربية، وهذا يعني أن هناك كتابا أجنبيا واحدا لكل مليون عربي، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا العرب متخلفون جدا في هذا الجانب؟ وليس هذا الجانب فحسب بل الكثير من الجوانب المتعلقة بالفنون والعلوم!
وللوهلة الأولى يبدو أن الإجابة سوف تكون: بسبب الفقر، وقلة التعليم. فنصف النساء أميات! وقد تجاوز عدد الأميين في العالم العربي 70 مليون نفر!.. فأين المشكلة وما هو الخلل بالضبط؟... من الواضح أن الخلل يكمن في أدمغة ساستنا الكرام، بعبارة أخرى الاستبدادية وفشل كل المناهج بما فيها التعليمية. ولكن لماذا تمثل الاستبدادية معضلة كبيرة بالنسبة للعالم العربي؟ هذا السؤال يجرنا إلى مربط الفرس..!
إن ستين سنة من تغاضي الغرب وتكيفهم مع انعدام الحرية ونشر الاستبدادية في معظم الدول النامية خاصة العربية منها والإسلامية، لم تحقق الأمن الذي كان يرجوه ؛ لأن الاستقرار الذي يحقق مصالحه لا يمكن شراؤه وتحقيقه في ظل غلاء الحرية. كما لو لم يكن لشعوب العالم العربي تاريخ حافل بالأمجاد وحضارة راسخة في التاريخ، من أجل أن يدار بواسطة حكومات مستبدة وفاسدة وغير مؤهلة. والغرب لم يتغاض ويتكيف مع وجود تلك الحكومات فقط، ولكنه صنعها من أجل حماية مصالحه، وقد أمضى نصف القرن الماضي محاولا إبقاءهم في مناصبهم من أجل تلك الغاية.
فعلى سبيل المثال ولا الحصر و بعد وفاة جمال عبد الناصر وخلافته بمن لديه الرغبة في لعب أدوار فردية مع الغرب، أصبحت مصر البلد العربي المفضل بالنسبة للولايات المتحدة. ولتحافظ على بقاء هؤلاء الاستبداديين في سدة الحكم منحتها، وما زالت تمنحها من المساعدات على مدى أكثر من ربع قرن مضى، ما جعلها تحتل المرتبة الثالثة بين أكثر دول العالم تلقيا للمساعدات الأمريكية الخارجية والتي تستعمل كورقة ضغط أثناء الأوقات المفصلية وفي الملفات الحساسة. فمصر كانت وستبقى رغم التخاذل الذي عمر طويلا دولة محورية في العالم العربي، لعدة أسباب، مما يجعل من عزلها عن العمق العربي إستراتيجية للسيطرة على أي تنسيق عربي مشترك. فغياب حياة سياسية حرة في مصر يعطل الكثير من المبادرات الجمعوية والفردية ويحصر الباقية في نطاقات ضيقة ويهدر كفاءات لها القدرة على تطوير عدة جوانب في مختلف القطاعات، التي استفحل فيها الفساد على نطاق أصبح كارثي، مما يعود بالفائدة على أكثر من ربع سكان المنطقة وعلى بقية العالم العربي تعديا.
أما بالنسبة للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة فقد تم تأييده من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، وما زال التأييد قائما لخلفه الذي لا ينوي مغادرة سدة الحكم و لو قامت القيامة، ففي تلك السدة يموت "قاسي". فلا حياة سياسية حرة ولا صحافة حرة وحتى شرائع الإسلام حرفت : إلغاء تعدد الزوجات، عدم احترام حرمة رمضان، انتشار المشروبات الكحولية على نطاق واسع، الخ. في حقيقة الأمر، الكثير من الآفات التي جلبها الاستعمار إلى بلداننا والأخرى التي نشرتها الأنظمة المستبدة الفاسدة تتقاسمها الدول العربية وحتى الإسلامية على نطاق واسع.
كما أعطت الولايات المتحدة الدعم المطلق للجنرالات الجزائريين، الذين ألغوا الانتخابات التي جرت عام 1991م، ولم يترددوا في الاستمرار في تأييدهم ودعمهم المطلق أثناء الفوضى الدامية التي حلت في البلاد؛ نتيجة لإلغاء الانتخابات و تراكمات السياسات الكارثية.
بالتغاضي والتكيف يكون الغرب قد صنع عالما عربيا حديثا، من خلال أنظمة متعفنة، تخدم مصالحه الظرفية والمستقبلية تخوفا من فقدان نفوذها الضيق، مستهترة بالشعوب العربية ومحتقرة إرادتها. فهي حقا مشكلة أن تكون معظم الحكومات العربية فاسدة مستبدة تسببت في زرع الجهل والحقد والإحباط واليأس والبأس في نفوس شعوبها التي تكن بالإجماع الكراهية للسياسة الأمريكية ومن يدور في فلكها.
تبقى الشعوب هي من يؤدي الثمن.. وإذا كانت الولايات المتحدة جادة حقا في إحلال السلم فيجب عليها أن ترحل من العراق والصومال وأفغانستان فورا وتكف عن تدعيم الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي والنامي... وتوقف دعمها للاستيطان الصهيوني المغروس حتى النخاع في فلسطين... وتعترف بحق الفلسطينيين في استرجاع أراضيهم ووطنهم المسلوب قمعا وقتلا... و..و..و..و. فالحديث عن السياسة الشيطانية للولايات المتحدة تجاه عالمينا العربي والإسلامي لا حصر لها ولا فصل.


