Ali SAMI

كوسوفو تناشد المسلمين

كوسوفو تناشد المسلمين

 

تساؤلات عديدة تطرح حول واقع المسلمين ومستقبلهم في منطقة البلقان، حيث وقع تطهير على أساس الدين و العرق للمسلمين و الأعراق المسلمة في تلك المنطقة أمثال الألبان و الأتراك و البوشناق و حتى الغجر. و حتى نستطيع أن نفهم طبيعة ما يجرى في منطقة البلقان بشكل عام يجب أن نعود أكثر من ستمائة سنة إلى الوراء وتحديدًا إلى يوم الثامن والعشرين من يونيو/حزيران عام 1389 للميلاد.

فما يحدث الآن في البلقان ليس سوى امتدادًا لذلك اليوم الذي وقعت فيه معركة (كوسوفو) بين الصرب بقيادة ملكهم لازار وبين المسلمين بقيادة السلطان العثماني مراد الأول تلك المعركة التي وصفت بأنها من أشرس المعارك التي وقعت في تلك المرحلة، حيث قتل فيها كل من السلطان العثماني والملك الصربي.

وانتصر المسلمون في نهاية المعركة، وأصبح الثامن والعشرون من يوليو في كل عام منذ ذلك الوقت مناسبة مهمة لدى الصرب، وذلك لتأجيج نيران الكراهية ضد الأتراك والألبان المسلمين، وأصبحت تلك المعركة تشكل أسطورة في أدبيات الصرب ومصدرًا لشحنهم بالمشاعر الدينية والقومية للقيام بمجازر وحشية قليلا ما عرف التاريخ الحديث مثلها.

وأصبحت كوسوفو رمزًا للمجد الصربي المنهار، والثأر الصربي المقبل ضد الأعداء الأتراك، الألبان المسلمين، وكان من حظ مسلمي البلقان أنهم يعيشون في أكثر منطقة في العالم تعقيدًا من حيث التشابك الحضاري والعرقي والديني، يضاف إلى ذلك أن من أبشع الحروب التي شهدها التاريخ اندلعت من تلك المنطقة بما فيها الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وكان على مسلمي البلقان أن يكونوا وقودًا لكثير من هذه الحروب، وأن يسعى الصرب للثأر منهم كلما سنحت لهم الفرصة، وجاءت الفرصة الأولى الكبرى للصرب في بدايات هذا القرن وتحديدًا عام 1912م حينما اندلعت حرب البلقان ضد الدولة العثمانية، واضطر العثمانيون إتمام الانسحاب من أوروبا الشرقية، وقسمت ألبانيا، وبدأت مراحل الانتقام من الألبان، والأتراك المسلمين التي تُوِّجَت مؤخرًا على يد الصرب فيما حدث للمسلمين في البوسنة والهرسك بين عامي 1992م و1996م، وما حدث لألبان كوسوفو و قبلهم لمسلمي بلغاريا و رومانيا و اليونان، حيث تمت مصادرة كل ممتلكاتهم و أوقافهم و تم التهجير القسري للعديد منهم و تصفية أعداد كبيرة منذ الربع الرابع للقرن التاسع عشر و إلى يومنا الحالي. هي محاولات محو الوجود ومحو التاريخ.

في الحقيقةً أنه كان هناك وجود إسلامي في البوسنة وفي ألبانيا أقدم من معركة كوسوفو، الوجود الإسلامي امتد عن طريق التجار، و هم الشعب الأرنؤوط، وهذا أقدم من الدولة العثمانية.

قوصوه هي الاسم القديم لإقليم كوسوفو (أو كوسوفا) و عاصمته برشتينا. كانت جزءا من ألبانيا تحت الحكم العثماني ثم أعطيت للصرب عقب هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ضمن أجزاء كثيرة قطعت من ألبانيا للحيلولة دون قيام دولة إسلامية في أوروبا.

وترجع قصة الأزمة الكوسوفية إلى عام 1989 حينما قام الرئيس "سلوبودان ميلوسيفيتش" بإلغاء ميزة الحكم الذاتي لإقليم كوسوفو الذي قد منحه إياه الرئيس الأسبق لجمهورية يوغسلافيا السابقة "تيتو" في عام 1974، الأمر الذي دفع ألبان كوسوفو بالرد على ذلك بإجراء استفتاء عام بكوسوفو حول استقلال الإقليم في سبتمبر 1991 حيث صوت لصالح الاستقلال 99% ممن شارك به، وبناء عليه، تمت انتخابات رئاسية كوسوفية نجح فيها "إبراهيم روجوفا" الأستاذ السابق بكلية الدراسات الألبانية بجامعة برشتينا في مقدمة لتحقيق الكوسوفيين حلمهم بالاستقلال عن طريق الطرق السلمية والدبلوماسية.

وقد عارضت صربيا كل هذه الأمور لأنها لا ترغب في استقلال كوسوفو الذي يقضي على حلم التوسع الصربي؛ ما دفع مجموعات من الشباب الكوسوفيين إلى تكوين جيش تحرير كوسوفو الذي أخذ في شن حرب عصابات ضد الجيش وقوات الشرطة الصربية المتواجدة في كوسوفو عام 1998/ 1999 وهو ما ردت عليه صربيا بحملات إبادة شديدة في المناطق التي ينطلق منها جيش التحرير الكوسوفي، إلى أن أجبرت أوربا وأمريكا التدخل عسكريا، وهو ما تحقق بالضربات الجوية من حلف الناتو لصربيا في مارس 1999 إلى أن دخلت القوات البرية لحلف الناتو إقليم كوسوفو في 9 يونيو 1999. وصربيا لها مشروع للتطهير العرقي للمسلمين ويجري منذ مائتي سنة، هناك تسع حملات دموية ضد المسلمين في البلقان من الحكومات الصربية المتوالية، و حملة كوسوفو هي الأخيرة. و روسيا تحمل بذور تقسيم لإقليم كوسوفو كما حملت الخطة الروسية أيضا في عملية البوسنة والهرسك قبيل توقيع اتفاق "دايتون"، وحرصوا على أن يكون هناك تقسيم للإقليم لصالح الصرب، والآن أيضا يتدخلون مرة أخرى في كوسوفو لمصلحة الصرب.

وتبلغ مساحة إقليم كوسوفو حوالي 11.000 كم، وعدد سكانه حوالي 2.500.000 وتزيد نسبة المسلمين الألبان داخل كوسوفو حوالي 92%، والأقليات هناك (8%) تشمل الصرب والمونتنيغري والبوسنيين والغجر والأتراك. ويعتبر الإسلام هو الدين الرسمي داخل الإقليم حيث تبلغ نسبة المسلمين وسط الألبان حوالي 99%، كما أن هناك أقلية ألبانية صغيرة جدا تعتنق المذهب الكاثوليكي تتمركز في شمال كوسوفو.

إن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها بين السكان بعد حرب التطهير العرقي من قبل الصرب. لقد تعرض أكثر من 250.000 منزل من منازل المسلمين للهدم، حيث سوت بالأرض وكذلك 220 مسجدا. وشرد عشرات الآلاف من المسلمين الذين لا يزال بعضهم لاجئين أو نازحين. و هنا لابد أن نذكر أن الصرب دمروا في البوسنة والهرسك أكثر من 1000 مسجد. ويجب التأكيد على أهمية الدور الإسلامي في مساندة ودعم إخوانهم مسلمي كوسوفو و البوسنة، وذلك من خلال بناء وترميم المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والمساهمة في إصلاح البنية التحتية، و لما لا الاستثمار أو على الأقل تكثيف المبادلات التجارية. بدون نسيان التمثيل الدبلوماسي الذي تأخر طويلا. الغريب هو أن هناك دولاً عربية وإسلامية تقوم بمنع مواطني كوسوفو من دخول أراضيها ولا تعترف بوثائق السفر ومنها مصر مما جعل العديد من طلاب كوسوفو لا يستطيعون الحضور إلى مصر للدراسة في الأزهر. كما تجب مساندتهم لإعادة الأوقاف الإسلامية التي صادرها الحكم الشيوعي للإقليم الذي استمر سبعين عامًا.

حان الوقت الآن لكي تعرف الأمور مجراها الطبيعي بالاستقلال عن صربيا والعيش الآمن لشعب كوسوفو، لضمان حقوق أبناء كوسوفا وعلى رأسها حق تقرير المصير والمحافظة على الهوية والموروث الثقافي وهنا من الممكن إعلان الاستقلال من جانب واحد و من جديد، و سوف نعمل على فك العزلة إذا فرضت.





الصفحة الأخيرة | صفحة 15 من 51 | الصفحة التالبة